أبو علي سينا
الفن السادس 107
الشفاء ( الطبيعيات )
والهواء الصافي ، لأن الضعيف إذا وجد معونة من خارج كان لا محالة أقوى فعلا . ثم نحن نشاهد ضعيف البصر لا يزيده اقتران أقوياء البصر به ، أو اجتماع كثرة ضعفاء البصر معه شيئا في إبصاره . فبين أن المقدم باطل . ولنعد إلى التفصيل الذي فارقناه فنقول : إنه لا يخلو الهواء حينئذ إما أن يكون آلة ، وإما أن يكون واسطة . فإن كان آلة فإما أن تكون حساسة ، وإما أن تكون مؤدية . ومحال أن يقول قائل : إن الهواء قد استحال حساسا حتى أنه يحس الكواكب ويؤدى ما أحسه إلى البصر . ثم ليس كل ما نبصره يلامسه الهواء ، فإنا قد نرى الكواكب الثابتة والهواء لا يلامسها . وما أقبح بنا أن نقول : إن الأفلاك التي في الوسط أيضا تنفعل عن بصرنا وتصير آلة له « 1 » كما يصير الهواء آلة له ، « 2 » فإن هذا مما لا يقبله عاقل محصل . أو نقول : إن الضوء جسم مبثوث في الهواء ، والفلك يتحد « 3 » بأبصارنا ويصير آلة لها ، فإن ساعدنا على هذا القبيح فيجب أن لا نرى كلية جسم الكواكب بعد تسليمنا باطلا آخر وهو أن في الفلك « 4 » مساما « 5 » ، وذلك لأنه لا تبلغ مسامها أن تكون أكثر من نصف جرمها . « 6 » فيجب أن تكون الكواكب « 7 » المنظور إليها « 8 » إنما ترى منها « 9 » أجزاء ولا ترى أجزاء ، ثم ما أشد قوة أبصارنا حتى تحيل الهواء كله والضياء المبثوث في أجسام الأفلاك بزعمهم إلى قوة حساسة أو أية قوة شئت . ثم الهواء والضوء ليسا متصلين ببصر دون بصر ، فلم يؤديان ما يحسانه إلى بصر دون بصر . فإن كان « 10 » من شرط البصر الذي يرى أن يقع في مسامتة المرئى حتى يؤدى حينئذ الهواء إليه ما أحس ، فليس إحساس الهواء بعلة لوصول المحسوسات إلى النفس ، ولكن وقوع البصر من المبصر على نسبة وتوسط الهواء بينهما . فإن كان الهواء يحس بنفسه ويؤدى أيضا فما علينا من إحساسه في نفسه ، بل إنما المنتفع به في أن نحس نحن تأديته المرئى إلينا . ولا نبالى أنه يحس في نفسه أو لا يحس في نفسه ، اللهم إلا أن يجعل إحساسه لإحساسنا ، فيكون الهواء والفلك كله يحس لأجلنا . وأما إذا لم يجعل ذلك آلة ، بل واسطة تنفعل أولا من البصر ثم يستتم كونها واسطة ،
--> ( 1 ) له ( الأولى ) : ساقطة من ك ( 2 ) له ( الثانية ) : ساقطة من د ، ك . ( 3 ) يتحد : يتخذ م . ( 4 ) في الفلك : للفلك م ( 5 ) مساما : مسام ف ، م . ( 6 ) جرمها : جزء منها م . ( 7 ) الكواكب : الكوكب د ، ف ( 8 ) إليها د ، ف ، م ( 9 ) منها : منه د ، ف ، م . ( 10 ) كان : كانت م .